يواصل الذهب تداوله قرب مستويات قياسية تقترب من 5 آلاف دولار للأوقية، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية اضطرابات غير مسبوقة، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ورغم الظروف التي كانت تدعم تاريخيًا صعود المعدن النفيس بقوة، مثل التوترات والحروب وبيع البنوك المركزية الأجنبية لسندات الخزانة الأمريكية، فإن تحركات الذهب بدت محدودة نسبيًا، ما يعكس تحولات أعمق في طبيعة السوق ودوافع الطلب.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن موجة الصعود الحالية للذهب تختلف عن سابقاتها، إذ لم تعد مدفوعة فقط بمخاوف التضخم أو تحركات المستثمرين الأفراد، بل تقودها البنوك المركزية حول العالم، التي تشتري الذهب بأسرع وتيرة منذ عقود.
وسجلت مشتريات البنوك المركزية مستوى قياسيًا بلغ 1080 طنًا في عام 2022، مع استمرار هذه الوتيرة المرتفعة، خاصة من دول مثل الصين والهند وتركيا، في تحول يعكس إعادة تقييم شاملة للأصول الاحتياطية.
يأتي هذا التوجه في ظل تزايد الشكوك حول أمان الأصول المقومة بالدولار، خاصة بعد تجميد أصول البنك المركزي الروسي عام 2022، ما دفع العديد من الدول لإعادة النظر في اعتمادها على النظام المالي الغربي.
وللمرة الأولى منذ عام 1996، أصبحت البنوك المركزية تحتفظ بكميات من الذهب تفوق ما تمتلكه من سندات الحكومة الأمريكية، في تحول هيكلي يعكس تغيرًا جذريًا في إدارة الاحتياطيات.
منذ التخلي عن معيار الذهب عام 1971، اعتمد العالم على العملات المُدارة من قبل البنوك المركزية، وهو النظام الذي دافع عنه اقتصاديون بارزون مثل جون ماينارد كينز وميلتون فريدمان.
لكن الأزمات المتكررة، من التضخم في سبعينيات القرن الماضي إلى الأزمة المالية العالمية في 2008، أعادت للذهب مكانته كملاذ آمن، خاصة في أوقات فقدان الثقة في السياسات النقدية.
ما يميز المرحلة الحالية هو أن الذهب لم يعد مجرد أداة للتحوط من التضخم، بل أصبح وسيلة لحماية الاحتياطيات من المخاطر السياسية، كالعقوبات أو التجميد أو التقلبات النقدية.
ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وبيع البنوك المركزية نحو 82 مليار دولار من سندات الخزانة الأمريكية خلال أسابيع، وارتفاع عوائدها بدلًا من انخفاضها، بدأت ملامح تحول في النظام المالي العالمي تظهر بشكل أوضح.
تعكس تحركات الذهب الحالية حقيقة مهمة، وهي أن أداءه يرتبط بشكل أكبر بمستوى الثقة في المؤسسات المالية العالمية، وليس فقط بمعدلات التضخم.
وفي ظل استمرار هذه التغيرات، يرى مراقبون أن صعود الذهب قد لا يكون مجرد موجة مؤقتة، بل مؤشر على إعادة تشكيل النظام النقدي العالمي، حيث يستعيد المعدن الأصفر دوره التاريخي كأصل احتياطي مستقل عن نفوذ الحكومات والسياسات.
